دربان

بقلم: عبد القدوس الأمين

علامَ كلُّ هذا الحزن؟.. سؤال ظلَّ يتردَّد في مسمعه منذ خروجه من مملكته.. يكاد يتعثَّر فوق الحجارة المرصوفة على مدخل منزلهم القديم... أمتارٌ قليلة تفصله عن بهو الاستقبال، ظنَّ أنَّه لن يصل إليه، سعى بلا حماسٍ ظاهر، إنَّ شيخًا تجاوز الثمانين أكثر نشاطًا منه. أربعون عامًا هو عمره الذي يكرهه كما لم يكره شيئًا من قبل. انفتح الباب بعد صراعٍ مع المزلاج طال، أو هكذا خُيِّل إليه علامَ كلُّ هذا الحزن؟ دَلَفَ إلى البيت، فامتلأت رئتاه برائحة الزمن القديم...

كان كلُّ ما في المنزل يدعو إلى الصمت بإغراءٍ شديد، الستائر، والأثاث القديم، حتى النور الذي استطاع أن يتسلَّل من النوافذ دخل خائفًا يترقَّب... تعثَّرت قدماه بالكرسيَّ الهزَّاز الذي ما زال يربض تحت النوافذ الطويلة، ما أسهل أن يرى أباه وهو يمتطيه! نَفض رأسه، إنَّه مشهد غير وَدود، ما كان يربطه بأبيه سوى خوفه من عدم رضاه، رغم أنه الولد المقرَّب، هذا الشبل من ذاك الأسد، كما كان يحلو لأبيه أن يقول. كان الأسد قاسيًا لا رحمة في قلبه، بل لا قلب ولا يحزنون، وكان كما أراد له أبوه أن يكون، لا طاقة له باسترداد ماضيه، إنَّه اجترارٌ مقيتٌ، فرَّ هاربًا إلى الفِناء الغربيّ، مرتع طفولته علَّه يأنس بأشجاره العتيقة علام كلُّ هذا الحزن؟ إتجه إلى آخر الفِناء حيث التينة العجوز وقد ازدادت شموخًا حتى إنَّ أغصانها قد ظلَّلت قبرًا في الجبانة المجاورة، جلس في ظلِّها على الصخور الفاصلة بين الفناء والمقبرة علامَ كلُّ هذا الحزن؟ ما بك يا سعيد؟

ابتسم سعيد بمرارة. ستظلُّ الأسماء نقيض مسمَّياتها، فقد كانت محاسن هي الأقبح بين أقرانه. أمَّا هادي فهو عاصفة هوجاء لا تُبقي ولا تذر... وهو سعيد، أدار برأسه ساخرًا نصف دورة... التعاسة، هذه الغيمة السوداء التي تكاد تُطبق عليه، امتصَّت ألوان دنياه حتى غدت لا لون لها، ولا طعم، ولا رائحة، دنياه غدت كقصرٍ مهجورٍ تعصف به الريح علام كلُّ هذا الحزن سؤال ظلَّ يرهقه ويضنيه... إنه اكتئاب حادٌّ، والجواب لديك، قال الطبيب، وأردف: حين تجده تكون قد شُفيت. أحنى رأسه المثقل حتى لاصق صدره، كمن يجهد في النظر إلى جوفه.. جوفه بئرٌ معطَّلةٌ، والسواد حالكٌ شديد اكتئاب حاد والسؤال صخرة مهولةٌ تجثم على فم البئر، والجواب كلماتٌ سحريَّة، دمدم سعيد ساخرًا... إفتح يا سمسم... السؤال صعب: لِمَ كلُّ هذا الحزن؟ علامَ يا عمري البارد أجبني.. علامَ..

كان كلَّ ما يريده منزلٌ كبيرٌ، والمنزل صار منازل، في غير بلدٍ.. ماذا يريد؟ مالٌ يكفيه حتى مماته.. عنده الآن ما يكفي مدنًا لمئات السنين... ماذا يريد؟ إسمًا.. إسمه أشهر من نارٍ على برج إرسال... رمى بظهره على الصخور الخشنة.. علام كل هذا الحزن إذًا؟ جال ببصره في الفِناء، لا شيء يُجدي... سقطت ذراعه، أحسَّ ببعض الحصى تحت يده، جمع أصابعه، رفع يديه بضعفٍ، سيرجم أمسه ويومه والأرض التي تأويه، لم يجد حماسًا.. عبثٌ وإحباطٌ انزلقت الحجارة من بين أصابعه ثم استقرَّت..

تناهى إلى سمعه أصوات تقترب، ممزوجة بوقع أقدامٍ بطيئة الخطى تجرح الصمت، همهمات رجالٍ ونساءٍ وأطفالٍ أيضًا، انزلق منخفضًا وراء الصخور... الأصوات تقترب وتعلو ثم تمتدّ.. نظر من فتحاتٍ بين الصخور.. إنَّه يوم الخميس، تلك عادة أهل قريته إذ يختمونه بزيارة القبور.. مسح الجبانة بعينين ملتاعتين، تلوَّنت الجبانة بألوانٍ شتى من ثيابٍ وزهور... بدؤوا من كلِّ حدبٍ ينسلون.. يتجمعون عند المدخل الحديديَّ الواسع ثم ضاق بهم، دلفوا كقفير نحلٍ، استقبلتهم الجبَّانة بصدرها الواسع فانتشروا، زرافات ووحدانًا.. توزَّعوا على القبور بين جالسٍ وواقفٍ، وآخرون يحومون كمن يبحثون.. يمرُّون على بعض القبور سريعًا ويطيلون على أخرى.. لكلِّ قبرٍ حصَّته من الوافدين... إلاَّ قبرًا واحدًا كان له النصيب الأوفر، بل كان له كلُّ النصيب... كان يحتشد حوله عددٌ لا يُحصى، كأنَّه الزهرة الأطيب رحيقًا..

لاحظ سعيد أنَّ كلَّ من في الجبَّانة يمرُّ به إما ابتداءً أو في خاتمة الطواف، بل إنَّ بعض الزائرين يأتون إليه مباشرة كفراشاتٍ عمياء... ولأنَّ هذا الحشد هو الأقرب إليه ازداد انكماشًا واختباءً... حدَّق في وجوههم، ورأى ما لم يرَ في حياته، ملامح تحمل... بل هي طافحة بالودَّ والعرفان بالجميل.. نظرات حبًّ لم يألفها وكأنَّهم أقاموا على أجمل ما في الدنيا.. إنَّ في عيونهم دموعًا.. بل يتناهى إلى سمعه أصوات نحيبٍ وكلماتِ رحمةٍ وحبًّ، أسفٍ ومرارةٍ أيضًا... وإنَّ فيها من الصدق ما لم يعهده... إنَّه خبيرٌ بالمجاملات يعرف أصولها ومخارج الحروف، وكيف تنطق وعلام وأين... إنَّ ما يسمعه غير ذلك، كانت الكلمات تخرج من الداخل دون أن تمرَّ باللسان، تخرج مجبولة بل تقطر بانفعالٍ إنسانيٍ غريبٍ... عجيبٌ لهؤلاء القوم، لِمَ كلُّ هذا؟ ثمَّ ما الذي يأملون؟ إنَّهم ينسفون الميزان الذي اعتاد أن يزن به الأفعال وردود الأفعال، ميزان الربح والخسارة، هذه الحشود ما الذي تجنيه من هدر هذه الطاقة وهي تنهال مع الورود على هذا الجماد كالمطر الإستوائي؟

ظلَّ سعيد مبهورًا وجلًا، وقد اقشعرَّ جسده رهبةً ممَّا يرى ويسمع... بدأت الشمس بالمغيب، والقفير يتقاطر عائدًا إلى خلاياه، والجبَّانة تخلع أثوابها الملوَّنة، إلاَّ من بعض الزهور هنا وهناك.. وأغلبها اجتمعت على القبر العجيب.. دارت عينا سعيد على المقابر ثم عادت إليه.. هدأت هناك كأنَّها تستريح.. كأنَّ هذا القبر، وهو مكلَّل بهذا الحشد من الألوان، كقائدٍ متوَّجٍ بفتحٍ عظيم.. حتى إنَّ رائحة لم يشمَّها من قبلُ امتدَّت من بين الصخور وملأت رئتيه عبيرًا غريبًا، عساه يكون من حشد الزهور، هذا المزيج الساحر، هذا النسيم العليل.. أحسَّ ببهجة تمتدُّ من القبر وتفترش المكان، تناهت إلى سمعه زقزقة العصافير وهي تؤوب إلى أعشاشها مع الغروب، والأغصان التي تظلِّل القبر تحمل العدد الأوفر والتينة العجوز، حتى التينة قد انحازت إليه فامتدَّت على غير نظامها... أَوَهمٌ كلُّ هذا؟ حتى أشعة الشمس تتكاسل عليه، أو كأنها تجاهد في سحب آخر خيوطها المتباطئة، كأطفالٍ يماطلون في العودة إلى منازلهم. وحين تفلح الشمس بعد جهد بالمغيب، يظلُّ هناك ضوء ينسكب على الرخام الأبيض، سعيد لا يدري مصدر الضوء، أهي أعمدة النور على ناصية الشارع البعيد؟ أم أنَّ مصدرًا آخر ليس يراه؟

تلبَّس الذهولُ عيني سعيد.. قلبه أصيب أيضًا.. بل سرى الذهول إلى قدميه.. كأنَّ قوَّةً قاهرة حملته على الوقوف، بل دفعته ليتخطَّى الحاجز الصخريّ، مشى سعيد كالمسحور خائفًا مأخوذًا باتجاه القبر، ما الذي يحدث لي؟ فكَّر سعيد: أهو حبُّ الاستطلاع؟ أم أنَّ آلاف الحبال غير المرئية تشدُّه إليه؟. حشد من المشاعر غير المألوفة تغالبه وتغلبه، سعيد محمولٌ على أجنحة الذهول، قدماه لا تكادان تطآن الأرض.. ماذا عساه يرى؟. علامَ..؟ ومن أين..؟ وكيف؟ ما سرّك يا صاحب القبر العجيب؟ لغز عظيم هذا الذي هو مقبل على كشف أغواره، كلُّ شيء في سعيد يتفتح كشبابيك قرى تستفيق، عيناه، فمه، حتى قفصه الصدريّ، مسامُّ جلده، أوردته والشرايين كلُّها مفتوحة على ألف احتمال في استقبال الاكتشاف الجديد.

انحنى بكله المفتوح مبهورًا مقطوع الأنفاس على القبر.. يمسح عنه الزهور.. وكمن ينظر إلى صندوقٍ عالج أقفاله طويلًا، اقتحمت عيناه الرخام الأبيض «الفاتحة... رجال صدقوا... الشهيد..» ضرب سعيد جبهته بيده كمن تذكَّر للتوِّ شيئًا نسيه، الشهيد.. انفجر الجواب نورًا ساطعًا باهرًا لا لبس فيه.. أغمض عينيه كمن يحميهما من نور باهر، وسريعًا التفت إلى مقارنة لا يدري كيف غابت عنه.. مقارنة بين دربين: دربٌ طويلٌ شائك بغيض، درب الموت الذي سلكه سعيد، ودربٌ قصيرٌ زاهرٌ حميم، درب الحياة ذاك الذي سلكه الشهيد. دار شريط حياته بسرعة هائلة، كأنَّ نور الكشف اقتحم بئره الخاوية، رأى حياته بكلِّ دقائقها البغيضة، بكلَّ موتها البطيء، إنَّها ركض طويل، أوَّلًا باتجاه قمَّةٍ شاهقة.. عيناه أبدًا عليها، وعن اليمين والشمال رجال ونساء وأطفال.. سعيد لا يلتفت.. أقارب وأصدقاء.. مشاعر شتى تتكسَّر تحت قدميه كأغصان يابسة، أواصر تتفلَّت ونداءات تتلاشى.. وسعيد لا يلوي على شيء، نظره مصلوب على القمَّة، لأجلها يهون الصعب، كلُّ ما لديه سلَّم للوصول، شخصيَّته المحبَّبة القويَّة الحضور، ذكاؤه الحادّ، أدبه الجمّ وابتسامته، حديثه الآسر، وقدرته على الإقناع، علاقاته المنوَّعة المتشعّبة، كلُّ شيء من أجل المجد..

من أجل تلك القمَّة، حتى قلبه جعله حجرًا تحت قدميه يرتفع به ليزداد اقترابًا، لكم نزفت مشاعره وخبت أضواء روحه، وفرَّت من شفتيه الضحكة الجذلى.. وغامت ألوان دنياه الزاهية. لا بأس، كذا كان يقول.. حين يصل ويتربَّع على عرشها سيستعيد بالمجد كلَّ شيء، هو دَيْنٌ عليه، سيوقف النزف ويضع زيتًا لكلَّ القناديل، بالمجد سيضحك ملء فيه، بالمجد سيصبغ دنياه بألوان ألف ربيع.. وصل سعيد.. وكاد يرتمي على القمَّة الغالية، يا لهول ما رأى!!! انكشفت أمامه قمة أخرى شاهقة مهولة الارتفاع، حتى إنَّ قمته التي هو عليها ليست إلاَّ حجرًا في قعر واديها السحيق.. إغراء شديد.. وجاذبيَّة لا تقاوم، قمة يجب الوصول إليها.. دبَّ النشاط وانطلق سعيد مرَّة أخرى بأسرع ممَّا كان وبأقصى الإمكان.. تلك هي القمَّة التي يجب أن يستريح عليها، لن يتوقَّف سعيد حتى يصل إلى القمَّة الحبيبة.. و.. ولم يصل سعيد إلاَّ إلى قممٍ أودية، وركض طويل لا ينتهي.. نضبت مشاعره وانطفأت معها أضواء روحه، وتاهت الضحكة الجذلى، وامتدَّت سحابة سوداء لم تبقِ لدنياه لونًا ولا طعمًا ولا رائحة.

الآن أدرك الخطأ الذي أرداه جثَّة هامدة.. تذكَّر الآن جملة، تختصر كل ما فعله وما آل إليه، جملة لعليًّ أمير المؤمنين: «من لم يكتف من الدنيا بأيسر ما فيها، لن يكفيه كلُّ ما فيها».. هنا كان قتلي، صرخ سعيد ثم انفجر باكيًا.. سيَّدي يا صاحب القبر العجيب، كنتُ أرى الانتماء عائقًا، والصداقة قيدًا، والتضحية هدرًا للطاقة، والمساعدة عبئًا، والعطاء سفهًا.. أمَّا أنت فكنت تعطي، ثم تعطي، ثم تأنس فتزداد عطاءً.. ثم تستقلُّ عطاءك، وحين لم تجد أغلى من دمك وروحك، وهبتهم كُلَّك فاكتملت، وها أنت على قمَّة القمم.. قمَّة لم أكن لأبلغها بألف عمر، آهٍ يا سيَّدي.. لكم أمقت عمري المهدور.. آهٍ يا سيَّد الأحياء آهٍ.

لم يعد يستطيع التوقُّف عن البكاء، لقد بكى قضاءً عن كلَّ عمره الذي لم يبكِ فيه.. امتلأت أخاديد الأحرف الرخاميَّة لكلمة الشهيد دمعًا حتى فاضت، لكنه ظلَّ يبكي، وشهقاته تتوالى، ونشيجه يمتدّ، يشق عباب الليل، حتى اختلط بكاؤه بأصوات عصافير أفاقت، وصوت أذان تبعده الرياح وتدنيه، وصوت ديوك بعيدة مختلفة الإيقاع متناوبة... كان لحنًا يعزف لأوَّل مرََّة، مجتمعًا دون نشاز، مع صوت بكاء واهنٍ تعب.

يا سيَّد الأحياء.. قال سعيد، وبصوت رائقٍ لم يعهده من قبل ها أَنذا يا سيدي أحبو على دربك وليدًا.. وبي بعض ما اعتراك.. سلالي ملأَى، وقلبي طافح بالودّ، مسح عن خده بالرخام الأبيض بقايا الدموع موقعًا بشفتيه على العهد الجديد، ولك يا معلَّمي كلُّ امتناني.. قال سعيد وفتح عينيه، نظر إلى بئره الداخليَّة، رأى براعم تتفتَّح وقطرات ماء تتجمَّع، وعصافير تبدَّل زغبها ريشًا وأخرى تتعلَّم الطيران، رفع رأسه باحثًا.. عن سحابة سوداء فلم يجد سوى سماء صافية رحيبة وسعت كلَّ شيء.

 

هذا المعلم السياحي بإشراف الجمعية اللبنانية للسياحة والتراث

|

|
|
|
  |
|
|
   

Mleeta Landmark © 2019