رسل المحبين

بقلم: مريم جمعة

دوامة كبيرة.. أمطار دماء.. أطياف كثيرة.. ثم وحشة غريبة تلف سكون العتمة..

* * * *

استيقظت وهي تحاول أن تلتقط أنفاسها المتلاحقة.. مسحت قطرات من العرق المنساب فوق جبينها.. جسّت نبضات قلبها.. ألفته يدقّ بقوة.. تنشقت دفعة من الهواء ثم أفرغتها بهدوء علّها تسكن رعشة صدرها.. مشت بضع خطوات بطيئة نحو المغسلة.. رفعت رأسها نحو المرآة تريد أن تلقي نظرة خاطفة على وجهها القلق من هول ذاك الحلم الغريب.. لم تره بل كان جلّ ما رأته للحظات طيف صورة الغائب.. توضأت.. صلّت الفجر.. ثم تناولت مصحفها الصغير من على المنضدة.. ضمته إلى صدرها قبّلته ثم فتحت صفحته الأولى.. هدأت آخر آثار روعتها عندما قرأت عليها: "ألا بذكر الله تطمئن القلوب".. مكتوبة بخط يد الحبيب.. كان هذا القرآن هديّته ووصيّته إليها قبل أن يذهب إلى عمله في الجنوب.. ليست المرة الأولى التي يذهب فيها إلى الجنوب.. لكن كان لها طعم آخر..

أخذت دفترها.. وأرّخت:

"13/تموز/2006

حلمٌ أقلقني..

أفقت هذا اليوم متعبة جداً.. مع أن النهار الذي سبق كان أكثر الأيام فرحاً بعدما نجح المقاومون البواسل بأسر جنديين من الصهاينة.. لكن ذاك الحلم يقلقني حقاً".

لم يمض من الوقت الكثير حتى دوى صوت قوي قريب أجفل وجودها: "أجرنا يا الله".. سارعت عيناها إلى منطقة الانفجار فالتحمتا بغيمة غبارية كثيفة... ذاك اليوم.. بدأت الحرب الشاملة التي شنها العالم بأسره للقضاء على الخط المقاوم في لبنان.. ثلاثة وثلاثون يوماً من القصف العنيف فوق المناطق السكنية في الضاحية الجنوبية لبيروت والجنوب اللبناني.. لا ولم يقتصر على تلك فقط بل امتدت الاعتداءات إلى البقاع والشمال.. أطنان وأطنان من الصواريخ.. آلاف من المهجّرين.. والكثير الكثير من المجازر..

طوال هذه المدة العصيبة.. لم تسمع.. منه.. عنه.. أيّ خبر.. يفيد بسلامته.. فقده.. أو حتى استشهاده.. أصبح كلّ ما يهم أن تخبر بشيء عنه.. أن تتيقّن من أي شيء.. انتهت الحرب ولا شيء.. عادت إلى منزلهما.. لم تجد المنزل بل بقايا ما كان منزلاً في يومٍ من الأيام.. شذرات ذكريات محترقة بفعل صواريخ العدو الغادر.. انطلقت تبحث في جوانبها عن شيء صغير ما برحت تفكر فيه ثلاثة وثلاثين يوماً.. وتدعو الله أن يبقيه لها دون كل ما تمتلكه في ذلك البيت.. دارت في كلّ مكان.. قلّبت كلّ حجر.."أخيراً" تنفست ملء رئتيها.. وعلت على وجهها علامات السرور.. وجدته.. المصحف.. هدية الغالي.. لكن الغالي لم يعد بعد.. ولا أخبار..

يوم وصلها خبر استشهاده من أحد الشباب الذين رافقوه في رحلة جهاده وحتى لحظات الوصال.. لحظة نادى في خضم جراحاته "فزت ورب الكعبة"... أخبرها المجاهد عن الرصاصتين الأولى والثانية اللتين اخترقتا صدره.. عن الدماء التي تفجّرت وروت أزهار الدحنون والأقحوان.. عن عزيمته عندما تحامل على آلامه وأكمل جهاده حتى تلقى الرصاصة الثالثة التي كانت مفتاح ارتحاله نحو الباري عزّ وجل..

بين أغراضه التي وصلتها قصاصة ورق كانت في جيبه عندما استشهد.. ما زال عليها بعض دماء.. احتضنتها بقوة وفتحتها لتقرأ:

   "على خطاي يتدحرج زمن غريب

في عيني ذهول وفي فمي مرارة ألم

شرّعت أبوابي للرياح، وامتطيت عاطفة لا يهدأ لها عويل

أُفكّر بمستقبلي عند المغيب في الغسق..

أطوي على يدي تعرجات الزمن الهارب

أتمزّق ببطء من يومٍ إلى يوم

في عينيَّ أحلام عميقة تعانق أدمعي

في سمعي نهرُ يُغني في وادٍ عميق

في فكري أبواب خلفها أسرار دفينة

كل يومٍ يرحل ليجلب وهماً جديداً

أكبرُ، وتكبر معي الأحلام والهموم...

أبحث عن وحدة أبدية...

نفسي مشتاقة للرحيل والسفر

أُفكرُ ولا أعلم بماذا أُفكّرَ

أعيش ولا أدري لماذا أعيش

فقط، أعرف إنّ لكل مخلوقٍ نهاية...

ولكل ليلٍ مظلمٍ فجر جميل!![1]"

* * * *

25/آب/2006

"أهو الوداع أم الوصال؟! أهو العرس أم التشييع؟! لا.. هو بعض من كلّ.. بل هو كمال الشعور.. فأنا قد لبست اليوم عباءة ما بين الحضور والغياب.. غياب في عينيك الرائعتين.. وحضور أمام هذا الحشد النوراني من الشهداء.. كواكب تسطع من بعيد.. ترانيم تفجر أناشيد الظفر.. مشاعل نور فوق قمم الإباء الشامخة..هم الذين تألموا حتى لا يصيبنا أي أذى.. وتلقوا الرصاصات في قلوبهم حتى لا يسمع أطفالنا صوتها الذي يرعبهم.. ماذا عساي أفعل؟! هل أصرخ أبكي أتألم؟! أم أصمت أبتسم أمام أفواج المهنئين بالنصر والشهادة؟!"..

* * * *

هامت روحها تلك الليلة.. في رؤيا.. تبحث عن نور عيونها.. ألفته واقفاً في حقل من الدحنون.... التفت مبتسماً.. نظر إليها نظرة عشقٍ سامٍ.. وتمتم في عمق وجدانها..

" لا تبكي صغيرتي.. فجنتي قلبك.. أنت لي وأنا سأبقى إلى الأبد لك.. فقط.."

 وغاب عن أفق رؤاها حتى موعد آخر.

[1]  قصاصة بيد الشهيد علي مرمر (أبو هلال)

 

هذا المعلم السياحي بإشراف الجمعية اللبنانية للسياحة والتراث

|

|
|
|
  |
|
|
   

Mleeta Landmark © 2019