محَيْسِن

بقلم: عبد الودود الأمين

محيسن والحبُّ قرينان منصهران في بوتقة واحدة، بعيدًا عن العقل الجَبَان وترّهاته والتعسفية.
محيسن لا يُتقِنُ سوى صنعة الحبّ، بل لا يعرف من هذه الحياة سوى الحبّ، فالقلب فقط سيّد الحياة. يقيس كلَّ الأشياء بالحبّ، يبيع ويشتري بالحبّ، والحبّ هو العملة الوحيدة التي يعترف بها. يذهب إلى بائع الخضرة، ويقول:
- «أنا حبّك، أعطني ليمونة».
وإلى السمَّان..

- «أنا حبّك، أعطني هذا وهذا»، ويشير بيده الكالحة إلى البسكويت والمرطبات. يحمل مجموعة زهور وأشياء يجدها في البرية، يعطيها لمن يراه في الطريق.
- «أنت حبّني، خذ هذه الزهرة».
- «أنت حبّني، خذْ هذه»، ويعطيه قطعة زجاج ملوّنة.

لكنَّ حُبَّهُ للأطفال يفوق كلَّ شيء، فهو يجمع لهم أشياء غريبة، يلتقطها من الحقول والمغارات، ويوزّعها عليهم. يفرحون به عندما يرونه، ويدعونه إلى اللعب معهم، على العكس تمامًا من كلِّ أمثاله، فأمثاله أكثر ما يقضّ مضاجعهم الأطفال.

أمَّا عن العشق والغرام، فحدّث ولا حرج، فقد يهيم في اليوم الواحد بأكثر من أميرة، وليس كمثله عاشق يجيد ٱنتقاء الأميرات. ما من صبيّة جميلة في القرية نجا قلبُهُ من سهامها. كم قرّح السهاد جفنيه، وجفى الكرى عينيْه. وهل في القرية عينان جارحتان لم تثخناه طعنًا؟! وهل من قدٍّ ممشوقٍ لم يأسرْ فؤاده؟! إنَّما هو ذلك الأبله المستهام، وهنَّ لا يتهرَّبن منه، بل على العكس يُمازِحْنَهُ ويلاطِفْنَهُ، على الرغم من شكله الغريب، وهيئته التي تبعث على التقزّز، ولعابه الذي لا يتوقّف عن السيلان، ولكنَّه يمتلك روحًا مرحة، وظلًّا خفيفًا؛ وهذا ما يشفع له لديهنَّ.

الفضاء والبراري صومعته التي يتنسّك بها، فيمارس هنالك طقوس عشقه، وينال وطره من الحريَّة. يتعبّد لخالق تلك الطبيعة الخلَّابة، وتنتابه حالة تَجَلٍّ، إذْ يرى الله أقرب منه إليه، ولكنَّه يراه جهرةً، يدخل نوره جلّ جلاله إلى قلبه، فيستحيل في وجدانه شعلة مصباحٍ لعتمة الأيَّام المقبلة. كان حقًّا متيّمًا بالبرّيّة يذهب إليها كلَّ يوم تقريبًا، ويسوح في مرتفعات الجبل وروابيه، ذلك الجبل الذي سطّر في صفحات التاريخ أمجاده، ومآثره الراسخة. ومحيسن يحسّ بذلك الإرتباط بالأرض، ربَّة الحُسن التي لا ٱنفصام عنها، ذلك التعلّق الذي لا ٱنعتاق منه، يقضي طيلة نهاره في الربوع الخضراء التي تحيط بالقرية، ولا يشبع نهمه منها، يقطف الأزهار والأعشاب البرّيّة المفيدة، وله خبرة عجيبة في معرفتها، يجمعها ويذهب آخر النهار، فيعطيها لأمّه التي تبيعها بدورها.
وعندما يسمع صوت نايٍ لراع أثناء تواجده في البرّيّة، فإنَّه يسرع إليه.
- «أنا حبّك».

ويطلب منه أن يُسمعه، وما إن يسمع أنَّات الناي، حتَّى ترتجف أشجانه، ويذهل، ويمتقع لونه، ثمَّ يبكي بكاءً مرًّا. وحين ينتهي اللحن، تُجَلْجِلُ ضحكةٌ عاليةٌ يطلقها، ثمَّ يُقبّل الراعي، والغنم، والشجر، وكلَّ شيء يصادفه، ويقفز متابعًا قطف «الزعتر» والأعشاب.

كانت حياته تمضي صافيةً ونقيَّةً، حتّى جاء ذلك اليوم المشؤوم، يوم ٱجتاح الصهاينة بكلِّ وحشيّتهم بلاده الطهر، وٱنتهكوا تلك الأرض العذراء. يومها سقط سبعة شهداء، كلّهم من أحبّته، شيّعتهم القرية بموكب مهيب، لم يكن من عادة محيسن المشاركة في تشييع، ولم يكن ليهتم لموت أحد، ولكنَّه تابع ذلك الموكب عن بُعد، وبذهول كُلّيّ. إنتهت مراسم الدفن، وثوى الشهداء في حضن الأرض البتول، وغادر الناس إلى بيوتهم، تلفّهم الأحزان، ويلفحهم القهر.

تسلَّل محيسن إلى المقبرة، ثمّ جلس واضعًا رأسه في حِجره. صمت، ثمَّ أخذ ينشج بصوت، بدأ خافتًا، وٱستمر يعلو رويدًا، حتَّى تحوّل إلى عويل، فصراخ، وهو يلطم وجهه كالثكالى، وينثر التراب على رأسه، ثمَّ يحمل حجارة، ويضرب رأسه حتَّى يدمى.

جرّوه جرًّا إلى بيته المتداعي، ولكنَّه غافلهم، وأطلق قدميه عائدًا إلى المقبرة. بقي فيها ثلاثة أيَّام، قضاها بين نواح وعويل، وإذا ما أعياه البكاء، دندنَ بصوتٍ شجيٍّ مواويلَ طوالًا، ولكنَّها كالطلاسم. ولا تكاد يده تمسّ الطعام الذي يقدّمه الأطفال.

بعدها، أصبحت زيارة المقبرة فجر كلّ يوم من طقوسه التي لا يثنيه عنها حَرٌّ ولا قَرٌّ. يبقى فيها، حتَّى ترسل له الشمس زغب أشعتها، فيغادرها، مثقلًا بالجراح، هائمًا في البراري.

ومنذ ذلك اليوم المشؤوم، طرأت تغييرات كثيرة في شخصيّة محيسن، فقد ذبل عوده، وٱزدادت عيناه جحوظًا، وتراكمت الأوساخ على جسده وثيابه البالية. أخذت تنتابه حالات مريبة، لم يعهدها من قبل؛ فيوم تركبه حالة حزن، لا يعرف لها فكاكًا، فيبقى في كآبة قاتلة؛ ويوم يتلبّسه ذعر مفترس، تراه خائفًا مذعورًا، يترقّب، وكأنَّ كابوسًا يشدُّ على خناقه؛ ويوم تراه يركض في أزقة القرية وشوارعها، يصرخ ويعربد من دون أن يتمكّن أحدٌ من أن يفكَّ حرفًا واحدًا ممَّا يتلفّظه سوى كلمة واحدة تتردَّد من آونة إلى أخرى: «يا صهاينة». لكنْ يَسْتَشِفُّ المرءُ من إحتقان وجهه، وإشارات يديه، والبصاق الذي ينطلق من فمه كالقذائف أنه يتهدّد ويتوعَّد، ويظنُّ السامع أنَّه يشتم، وهو الذي لا يعرف معنى الشتيمة، ولا يحفظ كلمة بذيئة واحدة.

يبدو أنَّ محيسن اكتشف لأوّل مرّة أنْ لا غِنى له عن الكُره، فإنَّ مجرّد وجود الصهاينة في هذا العالَم التعيس سبب كافٍ لأنْ تَمْتَلِىءَ الدنيا بالفسق والفجور، ولأن يَمْتَلِىءَ الكون بالحقد والكراهيَّة، فكيف لمحيسن أن لا يتفجّر حقدًا وكراهيّة، وهو يرى الصهاينة يغتصبون أرضه الحنون، ويمارسون عليها أبشع وحشيّة يمكن أن يعرفها التاريخ، وأقذر أساليب يعجز عنها الوصف، وتستحي منها الداعرة البذيئة؟! يراهم يسومون أهلها عذابًا، لا يستطيع أن يمارسه أحطُّ خلق الله نذالةً وخِسّةً، فكيف لمحيسن أن لا يتغيّر تغيّرًا جذريًّا، وأنْ لا تنقلبَ شخصيّتُهُ رأساً على عقب؟!

كانت رؤية الصهيوني تسبّب له صدمةً عصبيّةً مخيفةً، فيزأر، ويرفس برجليه، ويخبط رأسه، ويضرب الأرض بعنف، وكأنَّه يريد منها أن تنشق وتبتلعه، ولا يحصد أخيرًا سوى الدماء التي تسيل من يديه ورأسه.
تهمس إحدى الفتيات لصويحباتها: يا لهذا الزمن الرقيع! لقد تغيّر محيسن كثيرًا، يا حسرتي!
ومحيسن نفسه لم يعرف نفسه، بل أنكرها بشدّة، وتنكّر لأيام الحبّ العذبة. يا ضياعة الزمن! قلَّما يكترث بهنّ الآن. تمرّ به الفاتنة، فلا تترك في إحساسه سوى ومضة تشبه طعنة خاطفة، تنفجر دمامل قلبه، ويغرقه القيح.

ولكنَّه بينما كان جالسًا ذات يومٍ في المقبرة التي تردّد صوته الشجيّ النائح بالمواويل، أقبلت فتاة باسقة القامة، يجلّلها السواد، ولا يظهر منها سوى وجهها الوضّاح، فتبدو مثل ليلة مُقمرة، لم يأبه بها في بادئ الأمر، وٱستمرّ صوته يُرسل ألحانًا حزينة مُبهمة، أخذت تمتزج بنهنهة الفتاة وصوت بكائها الخافت، وتشكّل معزوفة رائعة. إلتفت إليها، فرآها تجثو قرب أحد القبور، وتحني ظهرها كصنوبرة أتعبتها الرياح العتيَّة.

فجأة، أحسّ بنصل خنجر يغوص في أعماق قلبه، فٱنتفض واقفًا، وجلس في مقابلها. كان وجهها -رغم الحُسن- يشبه ضحكة طفل، إذْ تجمعت كلّ خضرة جبل عامل الكثيفة في عينيها، ودموعها روافد نهره.
واصل موّاله، وقد تأثّر صوته تأثّرًا بالغًا، فأصبح رخيمًا مؤثّرًا، ورمت إليه بطرفها مشفقة، ولم تفهم من موّاله سوى الآهات الطويلة والأُوف، فٱزداد نَحِيبُهَا.

قُبيل الشروق، عزم على مغادرة المقبرة، فٱقترب منها، ورطن بكلمات غامضة، طلبًا لمواساتها، فشكرته.
- كيف صحّتك يا محيسن؟ هل أنت بخير؟
صمت، ورفع بصره نحو السماء.

قالت:
- لماذا تأتي إلى هنا كلّ يوم؟
سقط رأسه على صدره، رفس برجله، وغادر المقبرة.. لم يستقر في مكان، بل ظلّ يدور هائمًا حتَّى آذان المغرب، فوجد نفسه في بيتها جالسًا في باحة الدار، وما إن لمحها حتَّى صرخ:
- «لطف أنا حبّك».

لم تضحك كما تفعل غيرها، وإنّما نظرت إليه بحزن، وعادت إلى المطبخ. وفي اليوم التالي، وجد نفسه يجلب لها كلّ ما جمعه في البرّيّة من زهور وأعشاب، فطلبت منه أن يأخذها إلى أمّه، فلم يغضب.
وبقي مدّة طويلة يتردّد بشكل يوميّ على بيتها، وهي تتجنّب إغضابه، فلا تمازحه أو تسخر منه مثلما يفعل غيرها، ولا تسخّره في أيّ عمل، أو تحاول أن تمسّ شعوره. كلّ ما فعلته هو أنَّها طلبت إليه أن يغيّر ثيابه ويغتسل، وأعطته منديلًا ليمسح لعابه، وكان فرحًا بكل هذا. ومرَّة سَألَتْهُ:
- لماذا تحبّني؟ فأحنى رأسه، ولم يجب.

وفي مرة أخرى سألته:
- لماذا لا تعمل وتكسب مثل الرجال؟ فنكس رأسه طويلًا، ثمَّ رفس برجله، وغادر البيت راكضًا، فظنَّت أنَّه غَضِبَ منها، ولن يعود. ولكنَّه في اليوم التالي كان يقف وسط الشارع يحمل عصيًا، ويضع على رأسه قبّعة من قشٍّ، ويلوّح بيده للسيارات. لقد ٱستنسب عمل شرطيّ المرور، يبقى ساعات ينظّم السير، ثمَّ يعود إلى «لطف»، فيؤدّي لها التحيّة العسكريّة، ويحدّثها عن متاعب العمل الجديد، ومشاكسة السائقين وأذيّتهم له.

كان محيسن واقفًا في وسط الشارع، إذ رأى على البُعد دورية اسرائيلية تقترب، فَجَمُدَ في مكانه، وأخذ يرتَجِفُ كقصبةٍ في مهبّ الريح، وٱحتقن وجهَُهُ بغضبٍ شديدٍ. كانت الدوريَّة قد أصبحت على بُعد أمتارٍ منه، فرفع يديه صارخًا:
- هوب.. هوب.. إسرائيل.. الجع.. لولا.
- هوب.. هوب.. إسرائيل.. كش بلا.

ذُعِرَ الصهاينة، وٱنتابهم الرعب كالعادة، فأخذوا يطلقون النار في الهواء ترهيباً، ولكنَّه بَقِيَ جامدًا في مكانه. تراكضت الناس هلعًا، ولمَّا شاهد الناس تركض، ركض هو أيضًا. طاردته الدبابات، والجنود على ظهرها يطلقون النار، ويصرخون به أن يقف، إلَّا أنَّه كان يركض أمامهم صارخًا:
- الله اتبل.. الله اتبل.
ثمَّ يقف، ويرفع يده جاعلًا من الإبهام والسبابة شكل المسدّس.
طق طا.. طق طا.. طاطا.. ثمَّ يهرب.
الصهاينة يطلبون النجدة، والدّبَابات تطوّق القرية، وهناك طائرة عموديَّة تجوب سماء القرية، وبقيت المطاردة بالدبابات مستمرَّة.

يلجأ محيسن إلى الحسينيَّة، يتراكض الصهاينة لتطويقها.
يصعد محيسن إلى سطحها، فيرميهم بكلّ ما يقع تحت يده، بالكراسي، وبالحديد، وبالحجارة، وهو يصرخ:
- الله أتبل.. الله أتبل.. الله أتبل.
والرصاص يأتي من كلّ الجهات، فتصنع زخّاتُها غيمة.
- خيبل خيبل يا يهود.. خيبل خيبل يا يهود.
ثمّ يسبح محيسن في بركة دمه، ليكتشف الحياة.

• الجزء الثالث من سلسلة «قلم رصاص» / موسوعة نصر لأدب المقاومة / إصدار الجمعية اللبنانية للفنون – رسالات.

 

هذا المعلم السياحي بإشراف الجمعية اللبنانية للسياحة والتراث

|

|
|
|
  |
|
|
   

Mleeta Landmark © 2019