سيد اللحظات

بقلم: سلوى صعب

وأخيراً، أنت بين يديّ. دون أن يكون الوجل سيّد اللحظة، ودون ذلك الجهد المبذول حيطة وحذرًا، أتراه انقضى ذلك الزمان دون رجعة؟ وما عدت تخشى لقاء يجمعنا؟ أو عيونًا تترصّد حركتنا؟ كأني لا أصدق  هذا، وإنّما رغم ذلك أشعر بالسكينة تملأ قلبي وفكري، وأنت ممدّد أمام ناظري هادئًا على غير عادة، هل أضناك حقًّا طول الترحال؟ أيّها الراحل دائمًا، والمسافر تجاه أفق لا حدود له!

صمتك أبلغ كلام، يخبر الكثير، يفشي أسرارك الدفينة، يخرجها للملأ لأوّل مرّة، يحكي أشياء، وأشياء عن بطولات أسطوريّة. كم كنت أتوق لسماع تفاصيلها منك، ولكن هيهات.. ما كان ذلك ليحصل وإن في الأحلام.

الماء المنسكب بين يدي ينساب على جسدك، خطوطًا بلورية لامعة، تدخل المسامات العطشى للحياة،  والماء أصل الحياة. أتراه يفعل فعله فيك، فيحييك، ويحييني معك؟.

يداي تتلمسّان جرحًا قديمًا غائرًا في جسدك، يوم أُصبت به ظننت أنّهم نالوا منك. لكنّك بعد أسبوع من الغيبوبة، عدت للحياة من جديد، ولم يمض شهر؛ حتى عدت إلى السّاح ليثًا أشدَّ إصرارًا وتصميمًا على المقارعة.

دعني أتلمّس وجهك، أرسمه بيدي ذاكرة لا تُمحى، أخط تقاسيمه الوديعة وداعة طفل، الحازمة حزم رجل يهابه الخوف. آه، كم كنت أتهيّب هذه اللحظات التي تجمعني بك، وأحسب لها ألف حساب! أعجب من نفسي لهذه السكينة التي تلفّني! رغم هذا الطقس اللامعقول الذي أؤديه معك! أعذر شجاعتي وجرأتي، فأنا لا أخفيك سرًّا، يا سيّد عمري. أمر آخر دفعني لذلك، ذكرته آنفًا، توقي للإنفراد بك، دون حسيب أو رقيب، ساقني لهذا.

أتذكر أيامنا الأولى معًا، يوم كنت شابًا يافعًا لم تتجاوز العشرين، وطلبتني للزواج؟ يومها اعترض أهلي وأهلك، لأسباب مختلفة؛ لأنّك حزبيّ مقاتل، تحمل دمك على كفك- كما قال أهلي- ولأنّك كنت صغير السن على الزواج - كما قال أهلك- ورغم ذلك تزوّجنا.

عشرون سنة مرّت، "كلمح بالبصر"، هناؤها ليس بالقليل، ومُرُّها.. على حدٍّ سواء. نعم، كنت راضية، أتجرع مرارة الصبر والانتظار كأسا تلو أخرى، واعترف الآن أمامك بأنّ الخوف زارني مرات عديدة في ليالي غيابك المتكرّر. خوف من آت، أتى في النهاية.

ها قد أنهيتُ الطقس الأول: غسلَك بالماء الحيّ، وبالماء المعطّر بالسدر والكافور.

والآن إلى الطقس الثّاني والأخير: إلباسك آخر لباس ستظهر به. أتذكر يوم أعطيتني إياه؛ لأوضّبه بين جهاز العرس! يومها بكيتُ، فحضنتني بحنان قائلًا: أريدك أن تعرفي من البداية أنَّ حياتك معي لن تكون سهلة، فالموت يتربّص بي عند كل قُرنة.

كم مرَّت قطعة اللباس هذه على قبور الأولياء والصالحين؛ لتنال البركة! والآن، سيزيدها جسدك، عندما تحوطه بركة على بركة.

أصبحتَ جاهزًا لسفرك الأخير. لن أقلق عليك بعد الآن، ولن أنتظر عودتك، جاء دورك؛ لتنتظرني. إحفظ لي مكانًا بقربك، وإن كان مقامك رفيعًا قد لا أستحقّه، فهو للأولياء، والصالحين، والشهداء. 
 

هذا المعلم السياحي بإشراف الجمعية اللبنانية للسياحة والتراث

|

|
|
|
  |
|
|
   

Mleeta Landmark © 2018