سامحك الله

بقلم: فؤاد مرعي

نهرته أمّه عندما رأته يضرب شجرة التّين تكرارًا وبعنف..  بقضيبٌ الحديد الصدِئ. هالها أن ترى جذع الشجرة وهو ينزف دمًا أبيض من جروحٍ مفتوحة. سألته عن سبب غضبه، وقد انتبهت فجأةً إلى أنّه كان طوال هذا الأسبوع، منطويًا على نفسه. لم ينبس ببنت شفة. رمى «الحديدة» من يده، ودخل إلى البيت مشيحًا بوجهه عن أمّه. كان واضحًا أنّه لا يريد أن تلتقي نظراتهما، لئلّا تكتشف أمّه حجم القلق المعشّش في عينيه. هو الآن، في الثالثة عشرة من عمره. لكنّه يتصرّف كإبن الثامنة عشرة.

     إمتدّت موجة القلق إلى قلب الأمّ. إنّ شيئًا ما قد حدث للصبيّ، لا بدّ من معرفته. «إنّه يخبّئ أمرًا ما عنّي وعن والدهْ». قالت في سِرِّها ثمّ راحت تنتظر عودة زوجها المختار إلى المنزل. أعدّت كوبًا من الحليب السّاخن. وضعته قرب الفتى، فيما كان يقرأ، وقد أخفى وجهه بين دفّتي الكتاب. لم تشأ أن  تعكّر مزاجه بأسئلتها.

     في المساء، تحلّق أفراد الأسرة حول مائدة العشاء. تخلّف هيثم عن الحضور. نادته أمّه. فأجاب بأنّه ليس لديه رغبة في تناول الطعام. نظرت إلى زوجها نظرة استفهام. قلّب الأخير شفتيه. نهضت من مكانها، وذهبت إلى حيث كان جالسًا على عتبة تقع في الفِناء الخلفي للمنزل. كان ضوءٌ خفيف ينسلُّ من فتحة الباب بما يسمح بالرؤية إلى حدًّ ما. قالت له:

-          أظنّ أنّ خطبًا ما قد وقع. هل بإمكاني أن أعرف ماذا يجري؟

-          إسألي والدي. إنّه أدرى منّي بهذا الأمر.

قال ذلك بلهجةٍ صارمة لم تدع مجالًا للشّك بأنّ هناك أمرًا خطيرًا تجهله هي. قالت بتصميمٍ وتحدًّ:

-          لكنّني أريد أن أعرف منك أنت. لقد اعتدتُ على صراحتك دائمًا.

-          لقد رأيته يتحدّث مع العملاء.

-          وماذا في ذلك! إنّه المختار. عليه أن يتحدّث مع الجميع.

-          لكنّ حديثه معهم كان ودّيًّا أكثر ممّا يجب. لقد شاهدته وهو يعطي بالأمس مغلّفًا كبيرًا لمسؤولهم.

-          إيّاك أن تشكّ في والدك.

     قالت وقد غصّت بكلماتها الأخيرة. ولو لم يكن المكان شبه مظلم لرأى هيثم كيف انقلبت سحنتها. جلست إلى جانبه وقد صمتت. أخرستها المفاجأة. ماذا تقول لإبنها؟ لقد لاحظت بنفسها، في الفترة الأخيرة، أنّ زوجها يتجنّب الحديث بأيّ سوء عن الإحتلال والعملاء. لماذا يا فارس؟ لماذا هذا الدّخول الغبيّ إلى هذا الوكر؟ هذه الأمور ليست لنا. ماذا إن علم الأولاد الكبار؟ ماذا عن أحمد ومصطفى وعلي في بيروت؟

     إنتفضت فجأة من هواجسها. ضمّت إبنها إلى صدرها وقالت له بصوتٍ هامس:

-          أرجو منكَ أن تترك هذه المسألة لي. عليك أن تنسى الموضوع لبعض الوقت. عدني بأنّك ستنسى!

-          لا أستطيع.

-          جرّب. لا أعرف طريقة أخرى لإصلاح الأمور.

-          حسنًا سوف أجرّب.

-          إذن قم معي إلى العشاء. تصرّف بشكل طبيعي.

في اليوم التالي حدثت مشادّة كلاميّة بين المختار وزوجته لم يعرف بها الأولاد. ثمّ يومًا بعد يوم بدأوا يلاحظون أنّ شيئًا ما يجري بين والديهم. غابت كلمات المجاملة والملاطفة، وحلّت مكانها نظرات الغضب والنفور. أكثر من كان متأثّرًا بهذه الحالة كان هيثم. وقبل أن تنقضي العطلة الصيفيّة فاجأ المختار عائلته بقرارٍ حاسم:

-          ستنزلون إلى بيروت. لقد استأجرت لكم شقّة. ستجتمع العائلة كلّها هناك. تدبّروا أمركم في المدارس. أنا سأبقى هنا.

نظرت إليه بذهول. قالت وهي تداري دموعها:

-          هل هذا صحيح؟! أنا لا أصدّق ما يحدث لنا. سامحك الله!

بعد ثلاثة أشهر من قدوم العائلة إلى بيروت حدث تطوّرٌ مهم؛ فقد أفاد بعض القادمين من الجنوب المحتل أنّ سلطات الإحتلال اعتقلت المختار للإشتباه بتعامله مع رجال المقاومة الإسلاميّة. بكت زوجة المختار وبكى هيثم عندما حضر إلى المنزل شاباّن أعلنا استعداد المقاومة لرعاية عائلة أحد أسراها! 

 

هذا المعلم السياحي بإشراف الجمعية اللبنانية للسياحة والتراث

|

|
|
|
  |
|
|
   

Mleeta Landmark © 2018